السيد محمد تقي المدرسي
436
التشريع الإسلامي (مناهجه ومقاصده)
تجليات العقل على الطبيعة ، ومن جهة أخرى انها أدوات لحكم السلطة العادلة . فلولا القوانين التي تنظم العلاقة وتوزن مدى تطبيق القيم على الواقع ، لم يستطع الامام فرض العدل على الناس . . وهكذا كان الميزان اساساً هو العقل ( الذي هداه الله لمعرفة المقاييس والمقادير ) ، والامام الذي هو بمثابة العقل الظاهر ، ثم الأنظمة والأدوات القياسية ، لأنها تهدي الناس للحق والعدل . ولذلك جاء في التفسير : نزل جبرئيل عليه السلام بالميزان ( الكفتين واللسان ) فدفعه إلى نوح ، وقال : مر قومك يزنوا به . « 1 » بعد توافر هذه الشروط الثلاثة تتهيأ أرضية إقامة القسط ، والآية تصرح بأن إقامة القسط تكون بيد الناس أنفسهم . فلم تقل : ليقوم الرسل بالقسط بين الناس ، بل قالت : لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ . ولو أن الناس تخلوا عن مسؤوليتهم تجاه العدالة ، فان القسط لا يقوم ، لان رسالات الله توفر للناس فرصة إقامة القسط ، ولم يبعث الأنبياء لفرض العدالة بالاكراه على الناس . وقيام الناس بالقسط انما يتم بإقامة الحق في سائر جوانب حياتهم ؛ مع الله ، ومع الرسول ، ومع القيادة الشرعية ، ومع الناس ، بل ومع الحياة ، فيتقون الله حق تقاته ، ثم يختارون الإمام العدل ويسلمون له ويتبعونه . قال الإمام الرضا عليه السلام : وأقيموا الوزن بالقسط : وأقيموا الامام بالعدل « 2 » . ويلتزمون الحق مع انفسم باتباع القصد ، من دون افراط ولا تفريط ؛ ومع الناس فلا يبخسون ، ولا يطففون ، ولا يظلمون ، ولا يعتدون ، ولا ينقضون العهد . وهكذا يلتزمون العدل في علاقتهم مع الخليقة من حولهم . فلا يفسدون في الأرض بعد اصلاحها ، ولا يهلكون الحرث والنسل ، ولا . . ولا . . ولكن تبقى شريحة من الناس تخالف الحق ، ومن اجل هذا انزل الله الحديد وسيلة رادعة لتنفيذ القسط وإقامته بين الناس . ولا يب ان القوة ليست الوسيلة المناسبة دائماً . فما
--> ( 1 ) جوامع الجامع للطبرسي عند الآية . ( 2 ) تفسير نور الثقلين / ج 5 / ص 189 .